الشنقيطي

14

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

اسْجُدُوا لِآدَمَ [ البقرة : 34 ] الآية - فإنه لم يبين هنا هل ذلك الأمر بالسجود وقع أولا بتنجيز أو تعليق ، وقد بين في الحجر وص أنه وقع أولا معلقا ، قال في الحجر : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 28 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 29 ) [ الحجر : 28 - 29 ] وقال في ص : إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 72 ) [ ص : 71 - 72 ] . ومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يقع طلب لأمر ، ويبين في موضع آخر المقصود من ذلك الأمر المطلوب ، ومثاله قوله تعالى في الأنعام : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ [ الأنعام : 8 ] الآية - فإنه بين في الفرقان أن مرادهم بالملك المقترح إنزاله أن يكون نذيرا آخر معه صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك في قوله تعالى : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ( 7 ) [ الفرقان : 7 ] . ومن أنواع البيان التي تضمنها أيضا أن يذكر أمر في موضع ، ثم يذكر في موضع آخر شيء يتعلق بذلك الأمر ، كأن يذكر له سبب أو مفعول أو ظرف مكان أو ظرف زمان أو متعلق ، فمثال ذكر سببه في قوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : 74 ] ، فإنه لم يبين هنا سبب قسوة قلوبهم ولكنه بينه بقوله : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً [ المائدة : 13 ] وقوله : فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [ الحديد : 16 ] . ومن أمثلة ذكر السبب قوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : 106 ] فإنه أشار هنا لسبب اسودادها بقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ [ آل عمران : 106 ] الآية - وقد بينه في مواضع أخر كقوله : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [ الزمر : 60 ] ونحوها من الآيات كما سترى إن شاء اللّه تحقيقه في آل عمران . ومن أمثلة ذكر المفعول الواحد قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 26 ) [ النازعات : 26 ] فإنه لم يذكر هنا مفعول يَخْشى ( 26 ) ، ولكنه أشار إليه في هود والذاريات وإيضاحه أن الإشارة في قوله هنا : إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 26 ) [ النازعات : 26 ] راجعة إلى ما أصاب فرعون من النكال والعذاب المذكور في قوله : فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى ( 25 ) [ النازعات : 25 ] . فإذا عرفت ذلك فاعلم أنه تعالى صرح في سورة هود بأن فيما أصاب فرعون من العذاب آية لمن خاف عذاب الآخرة فصرح بأن الخوف واقع على عذاب الآخرة فهو المفعول ، والخوف المذكور في هود هو الخشية المذكورة في النازعات ، فقوله في هود : وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ( 97 ) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [ هود : 97 - 98 ] - إلى قوله - الْمَرْفُودُ ( 99 ) [ هود : 99 ] وقوله بعده : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ [ هود : 103 ] يدل على أن المفعول المحذوف في النازعات هو عذاب الآخرة